محمد متولي الشعراوي

3050

تفسير الشعراوى

بفعل اللّه ، ولا تقرنه بفعلك أنت أيها العبد ؛ لأن الفعل يتناسب مع قوة الفاعل طردا أو عكسا . فإن كان الفاعل صاحب قدرة قوية . فزمنه أقل . مثال ذلك : نقل أردب من القمح من مكان إلى مكان ، فإن كان الذي يحمل الأردب طفلا فلن ينقل الأردب إلا قدحا بقدح ؛ وإن كان رجلا ناضجا سينقل الأردب « كيلة بكيلة » . وإن كان صاحب قوة كبيرة قد ينقل الأردب كله مرة واحدة . إذن فالزمن يتناسب مع القوة تناسبا عكسيا . فإن كثرت القوة قل الزمن . وهات أي فعل بقدرة اللّه فلن يستغرق أي زمن . إذن قدس اللّه في كل شئ . والأرض المقدسة هي المطهرة ، وذلك بإرادة الحق سبحانه ، تماما كما أراد سبحانه أن تكون بقعة من الأرض هي الحرم ، لا يتم فيها الاعتداء على صيد أو نبات أو اعتداء بعضكم على بعض ، وهل ذلك كلام كونى أو كلام تشريعي ؟ أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً ( من الآية 67 سورة العنكبوت ) لو كانت المسألة إرادة كونية ، فكان لا بد ألا يحدث خلل أبدا وألا يعتدى أحد على أحد . وما الفرق بين الكوني والتشريعي ؟ إن الكوني يقع لأنه لا معارض في الأمور القهرية ، فالحق يريد أن يكون عبدا طويل القامة ، فتلك إرادة كونية تحدث ولا دخل للعبد بها . ولكن إن أراد الحق أن تكون طائعا مصليا ، فتلك إرادة تشريعية . والإرادة تكون تشريعية فيما إذا كان للمريد اختيار ، يصح أن يفعلها ويصح ألا يفعلها ، لكن الإرادة الكونية هي فيما لا إرادة للإنسان فيه وواقع على رغم أنف الإنسان . واللّه سبحانه وتعالى يريد الحرم آمنا . وتلك إرادة تشريعية لأنه حدث أن أهيج فيه أناس ولم يأمنوا . ولو كانت إرادة كونية لما حدثت أبدا . لذلك فهي إرادة تشريعية ، فإن أطعنا ربنا جعلنا الحرم آمنا ، وإن لم نطعه فالذي لا يطيع يهيج فيه الناس ويفزعهم ويخيفهم . فمراد اللّه عز ومطلوبه شرعا « أن يكون الحرم آمنا » . « ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ » فهل هذه الأرض المقدسة كتبها اللّه لهم